اليانع الجني – إسناد كتاب السنن للإمام أبو داود السجستاني

قال الشيخ عبد الغني المجددي في اليانع الجني:

يرويه شيخُنا العلاّمةُ بإسناده الّذي سَبَقَ في ((الموطّأ)) إلى الإمام أبي عبد العزيز رضي الله عنه عن شيخه المُفَضَّل الجليل الشّادح الغرّةِ، الواضحِ التَّحجِيل، أبي طاهرٍ محمّد بن إبراهيم الكُرديّ المدنيّ، عن الشيخ الأجل حسنِ بن عليٍّ العُجَيميّ، عن الشيخ عيسى المغربيّ، عن الشيخ شهاب الدّين أحمد بن محمّدِ الخفاجيّ، عن الشيخ المُسْنِدِ بَدْرِ الدّيْن حسنٍ الكرخيَ، عن الحافظِ الإمام المُجْتَهدِ أبي الفضل جلالُ الدّين السُّيُوطِيّ، عن الشّيخ مُحَمَّدِ بن مُقْبِلٍ الحلبيّ، عن الصّلاحِ بن أبي عمر المقدسيّ، عن أبي الْحَسَنِ علِيٍّ بِن محمّد بن أحمد البُخَاريّ، عن مُسْنِدِ عصْرِهِ أبِيْ حَفْصٍ عُمَرَ بنْ طَبَرزَد البَغْدادِيّ، عن أبي الوليد إبْرَاهِيْم بِنْ محمّد بِنْ مَنْصُورٍ الكَرْخيّ، وأبي الفتحِ مُصلحِ بِنْ أحْمَد بِنْ مُحَمَّدٍ الدَّوميّ، كِلاَهُمَا عَنِ الحَافِظِ أبِيْ بَكْرٍ أحْمَدَ بِنْ عَلِيٍّ بِنْ ثَابِتٍ الخَطِيبِ البَغْدَادِيّ، قَال: أَخبَرَنا الإِمامُ القاضي أبو عمرٍو القاسِمُ بنُ جعفَرِ بنِ عبدِ الواجدِ الهاشِمي، قَال: أخْبَرَنَا الإمامُ القَاضيّ أَبُو عَمْرٍو اللُّؤْلُؤيّ، قَال: حَدَّثّنَا أَبُو دَاوُد سُلَيْمَانُ بِنُ الأَشعَثِ السِّجِسْتَانِيّ رَضِيَ الله عنْهُ و عَنْهُمْ.

قُلْت: لَم أقِف فِي ((عُجَالةِ الشَّيْخِ عَبْدُ العَزيز)) على صيغ الأداءِ الَّتي ذكَرَها رِجَالُ هَذَا السَّنَدِ لِأَنَّه لم يحكِهَا فِيها، و أمّا الخَطِيْبُ و الّذينَ بَعْدَهُ فَإِنّيّ وقَفتُ على ألفاظهم في مَوْضعٍ آخَر، و أسانيدُ الشَّيْخِ أبي عَبْد العَزيز العُمَرِيّ يرحمُهُ الله تعالى مستَوفاةٌ فيْ كِتَابِه {الإرشاد إلى مُهِمّاتِ الإسنَاد}، و هو رضي الله عنهُ يَتحَرَّى سَوْقَ الأسانيد كما هي، فَمنْ وَقَفَ على كِتَابه فليُحَقِّق منه أمرَ هَذا السَّنّد، و كذا ما أذكرُهُ بَعْد ذلك مِن إسنادي النّسائيّ و ابن ماجه مِن طَرِيْقِهِ إنْ شَاء اللهُ تعالى.

وأمّا رجالُ السَّنَد:

فالخفاجيّ نِسْبَةٌ إلى خَفَاجةَ- بالفتحِ والتّخْفيفِ – حيٌّ مِنْ بَنِيْ عَامِرٍ تُوفِّي سَنَة تِسْعٍ و تِسعينَ و ألفٍ.

والسّيُوطيَ: اسمُهُ عَبْدُ الرَّحْمنِ بِنْ أبِي بَكْرٍ، مَنْسُوْبٌ إلى أسيُوطٍ بَلَدٍ مَعْرُوْفٍ و بصَعِيْدِ مِصر، ولدَ بِالْقَاهِرَة، و كان يُلَقَّبُ بابنِ الكُتُب، لأنّ أباهُ أمَرَ أُمَّهُ وكانت أُمَّ وَلَدٍ لهُ أن تأتيهُ بِكِتَابٍ مِن بَيْنِ كُتُبِه فذَهَبَت وأَخَذَهَا المَخَاضُ و هِيَ بَيْن الكُتُبِ فَولَدَتْهُ بَيْنَها، حَافِظٌ جَلِيْلٌ مُجْتَهِدٌ، لَهُ مُصَنَّفاتٌ فِي العُلُوْم، تُوفّي سَنَةَ إحْدى عَشَرَةَ و تِسْعِ مِئَة.

وتُوفّي ابنُ طَبَرَزَدَ سَنَةَ سَبْعٍ و سِتَّ مئة.

والدَّومّي – بِالفتحِ والميم بعد الواوِ – مَنْسُوْبٌ إلى دَوْمَةِ الجَنْدَل، مَوضِعٌ فَاصِلٌ بَيْن حدَّي الشَّامِ وَالْعِرَاق، كان فيه قِصَّةُ التَّحْكِيْم.

والخَطِيْب: هُوَ الحَافِظُ المَشْهُوْرُ، ذُو التَّصَانِيْفِ المُفِيْدةِ فِيْ عُلُومِ الحَدِيْث، تُوفّي سَنَة ثَلاَثٍ وسِتِّيْن و أَرْبَعِ مِئَة.

واللُّؤْلُؤيّ تُوفّي سَنَةَ تِسْعٍ و عِشْرِيْنَ، و قِيْل: ثلاثٍ و ثَلاَثِينَ و ثلاثِ مِئَة.

و ابن منصورٍ الكرْخيّ مَنْسُوبٌ إلى الكَرْخِ بإسْكَانِ الرّاء المُهْمَلة، هكذا رأيتُهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، و قال الفاسيّ: الكُرُّخي بِضَمِّ الكَافِ و تشديدِ الرّاء، و لعلَّ الصَّوابَ هُوَ الأوَّلُ، واللهُ سُبْحانَهُ و تَعَالى أَعْلَمُ.

طَرِيْقٌ آخَر

ويرويه شَيْخُنا العلاّمَةُ مِنْ طَرِيْق الشَّيخِ الحَافظِ الأنْصاريّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِأسانِيْدِه، مِنْها إسْنَادُهُ مِنْ طَرِيْق الحَافِظِ ابنِ الدَّيْبَع، و قّدْ فَرَّقَهُ في كِتَابه، فأجْمَعُ لك شملَ ما شتَّتَهُ، وأختَصِرُ بِحذْفِ بَعْضِ ما طَوله؛ مخافةَ السّآمةِ على النّاس.

فالشَّيخُ عَابِدٌ الأنصاريّ الحافظُ يرويه عنِ الشريفِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ سُلَيْمَان، عن أبيه سُليمانَ بنِ يحيى بنِ عُمَرَ مَقْبُولٍ الأهدَل، عن الشَّرِيفِ أحمدَ بِنِ محمَّدٍ شريف مَقبولٍ الأهدَل، عنِ الشَّريف أبي سُلَيْمَان يحيى بن عُمَرَ مَقْبُولٍ الأهدل، عن الشَّريف أبي بَكرِ بنِ عَلِيٍّ بطّاحٍ الأهدَل، عن عمِّه الشريف يُوسُوفَ بنِ مُحمَّدٍ بطّاحٍ الأهدل، عن الشَّريف طَاهرِ بنِ حُسَينٍ الأهدل، عن الحافظ عبد الرَّحمن ابنِ عَلِيِّ الدَّيبَعِ الشَّيباني، عن الزَّينِ الشَّرحيّ، عن نَفيسِ الدِّينِ سُلَيْمانَ بنِ إِبراهيمَ بنِ عُمَرَ العَلويّ، عن مُوفَّقِ الدِّينِ عَلِيِّ بنِ أبي بَكْرِ بنِ شَدّادٍ، قال: أخبَرَنا أبو العبّاسِ أحمدُ بنُ أبي الخَيرِ بنِ مَنْصُورٍ الشِّماخيّ، عن أبيه قال: أخبَرَنَا بها أبو عبد الله محمّد بن إسماعيلَ الخَضْرميّ، وأبو بكر بن أحمد الشّراحيّ، و سُلَيْمانُ ابن عقيلٍ العسقلانيّ، وبطّال بن أحمد الرُّكبيّ، ومُحمّد بن عبد الله العُجَينيّ، و سُفيان بن عبد الله الخَضُوريّ، وآخرون، قالوا: أخبرنا بها نصرُ بنُ أَبِي الفَرَج المِصريّ، أخبرنا بها النَّقيبُ أبو طالبِ بنِ أبي زَيْدٍ العلويّ، عن أبي عليٍّ التُّسْتَرِيّ، أخْبَرَنا بها القاضي أبو عُمَر القاسم بن جعْفَرٍ الهاشميّ، عن أبي عليٍّ اللُّؤْلُؤيّ، عن مُؤَلِفِها الحافظِ المتِقِنِ أبي دَاوُدَ سُلَيمَان بنِ الأشعثِ السِّجسْتَانيّ رضِي الله عَنْهُ و عَنْهُم أجْمَعِين.

قلت: مِن لَطَائفِ هذا السَّنَدِ أنَّه انْتَظَمَ رهطاً مِن اليمانيين، و أهل الشرَف مِنْهُم، مِن الّذِيْنَ هُمُ الغُرّةُ فِيْ جَبْهةِ الزَّمَان، والتَّحجيلُ فِيْ قَوَائِمِه، فَإِنَّ بَنِي الأهدَل فَرغٌ فارغٌ مِن الدُّوحةِ الثَّابتةِ النَّبُوية، مَوصوفُونَ بِالعِلْمِ، والصَّلاح، والخَير، مُنْذُ الدّهر:

إليهم كلّ منقبةٍ تؤُولُ                         إذا ما قيل: جُدُّهُمُ الرَّسُولُ

والشّيخُ عَابِدٌ رَحِمَه اللهٌ مِن بَنِي الخَزْرَجِ، ويُقَال: إنَّ أصلَ الأنْصارِ مِنَ اليَمَن، و قد أقامَ الشّيْخُ بِه دَهَرًا مِن عُمُرِهِ حَتَّى عدَّهُ ابنُ ساباط في ((فهرسته)) الّذي مُلحَقٌ بِكِتَابِهِ ((البَرَاهينُ السّابِطيةُ)) مِن عُلَمَاء زَبِيد، فهو يُمْنيّ أيضاً.

وعَبدُ الرَّحمنِ بنُ عَلِيٍّ الدَّيْبَعُ اليَمَانيّ تُوُفّي سنةَ إحدَى عشرةَ و تِسعِ مئة، و الدَّيبَع – بالدّال المُهْمَلةِ و فتحِها وإسكانِ التَّحتيةِ بَعْدَها مُوحَّدةٌ مَفْتوحةٌ وآخِرُهُ مُهمَلَةٌ – معنَاهُ الأبيضُ بلُغةِ النُّوبة، ويُلَقَّبُ به أيْضاً النُّورُ علِيُّ بِن مُحَمَّدٍ الدَّيبَعُ شَيْخٌ لأبي الأسرارِ العُجَيميّ.

والشّرحيّ: في ((ثَبَتِه)) بالحاء المُهمَلة، وبَنُو شرح بَطنُ العَرَب، وشرحةُ بنُ عُدَّةَ بَطنٌ مِن بَنِي سَامةَ بنِ لُؤَيٍّ، فإن كان بالجيمِ فَيَحْتَمِلُ أن يَكُونَ مَنْسُوْبًا إلى شرجةٍ، بَلَدٌ بساحِل اليمن أو إلى الشرج.

والشَّماخيّ: بالمُعجَمَةِ و تشديدِ الميمِ آخِرُهُ مُعْجَمَةٌ.

والخضْرَميّ: نِسْبَةٌ إلى حضْرَمَوتَ مِخْلافٌ مَعْرُوفٌ بِاليَمَن.

وابنُ أحمدَ الشرَّاحيّ: كذلك في ((ثبته)) مُعْجَمَةٌ فَمهْمَلَةٌ قَبْلَه الألفُ و كذا بَعْدَها.

والرُّكَبِّيّ: بالمَهْمَلَةِ في أوله والموحَّدةِ في آخِرِهِ، والرُّكَبُ كصُرَدٍ: بَلَدٌ باليمن، والعَجينُ بالمُهْمَلَةِ والجيمِ والمُثَنّاةِ مِن تحتُ بَعْدَها نُونٌ.

والخَضُوريّ: بِمَهْملةٍ فَمُعجَمَةٍ، و الخَضُورُ بِالرَّأءِ المُهْمَلَةِ كصَبُورٍ بَلَدٌ بِاليمن.

والتُّسْتُرِي: مَنْسُوْبٌ إلى تُستُر بِمُثَنّاتَيْنِ مِن فَوْقُ بِينهُما سينٌ مُهْمَلَةٌ وآخِرُهُ رَأءٌ مُهْمَلَةٌ كَجُنْدُبٍ، بَلَدٌ بالأهواز، والله أعلم.

و يَرْوِيها الشَّيْخُ عَابِدٌ مِن طريق الفلاَّنيّ، روايةَ ابي الحسنِ عَلِيِّ بِن عَبْدِ المَعْرُوْفِ بابن العبدِ، عن أبي داود، و هو أعلى أسانيده في هذا الكتاب، و هذا يدُلُّ أنَّ له رِوايةً خَامِسةً سِوى الأربعِ المَشْهُوْرةِ، و لكن لم يُنَبِّه الشَّيخُ على ذلك في ((ثَبَتِه))، و لا شَيْخُهُ الفُلاَّنيّ، واللهُ تعالى أعلم.